أربع سنوات مضت منذ أضاء "التلفزيون العربي" استوديوهاته في مدينة لوسيل القطرية، منهياً مرحلة التأسيس التي امتدت سبع سنوات في لندن، وفاتحاً فصلاً جديداً اختار له شعار "العربي على أرض عربية". ومنذ ذلك الوقت، اختبر المقر الجديد قدرته على مواكبة سلسلة متلاحقة من الكوارث والحروب والتحولات السياسية الكبرى، بالتوازي مع تطوير أدوات البث وتعزيز حضور القناة في المنطقة.

الاقتراب من الجمهور العربي

بدأ البث رسمياً من لوسيل في 30 آب/أغسطس 2022، ضمن انتقال شمل قناتي "العربي" و"العربي 2"، وترافق مع تحديث شامل للاستديوهات وقوالب العرض والهوية البصرية. وكان الهدف المعلن من الانتقال، الاقتراب من الجمهور العربي وتسهيل حركة الفرق الصحافية واستقطاب الكفاءات من المنطقة، والاستفادة من البنية التقنية والإعلامية المتنامية في قطر.

 ولادة جديدة

بعد أربع سنوات، يصف مدير قطاع الأخبار في "التلفزيون العربي"، محمود عمر، الانتقال بأنه كان "بمثابة ولادة جديدة" ربطت تغيير المكان بالتزام تحريري تجاه المشاهدين. وقال عمر لـ"المدن": "قدمنا للمشاهدين التزاماً بتغطية تكون أقرب إلى قضاياهم وهمومهم، وعملنا بدأب خلال الأعوام الماضية على الإيفاء بهذا الالتزام. الانتقال إلى لوسيل سهّل حركتنا، وجعلنا أقدر على نقل الصورة الأوضح التي نتبناها شعاراً".

لم تكن السنوات التي أعقبت الانتقال هادئة إخبارياً، بل جاءت محملة بأحداث تطلبت تغطيات مباشرة وممتدة، واختبرت سرعة غرف الأخبار وشبكات المراسلين وقدرتها على الوصول إلى الميدان، وهنا واستعاد عمر قائمة من المحطات التي واكبتها القناة، تبدأ بزلزال سوريا وتركيا، مروراً بفيضانات ليبيا وزلزال المغرب والحرب في السودان، ثم حرب الإبادة في غزة وسقوط نظام بشار الأسد والحرب على إيران.

وقال عمر إن فريق الأخبار تعامل مع تلك الأحداث بما ينسجم مع حجم كل خبر وحاجة المشاهد إلى المعلومة، معتبراً أن تتابع هذه التغطيات "رسّخ بصمة التلفزيون العربي كقناة إخبارية شاملة وموثوقة". ويضع هذا التوصيف الانتقال في سياقه العملي إذ لم يعد القرب من المنطقة شعاراً مكانياً فقط، وإنما قدرة يومية على إدارة التغطية والتواصل مع المراسلين ومتابعة أحداث تتغير على مدار الساعة.

المراسلون كنعصر مركزي

وبرز دور المراسلين في حديث مدير قطاع الأخبار، كعنصر مركزي في التجربة موضحاً أن شبكة مراسلي "التلفزيون العربي" تتسع بصورة متواصلة، معرباً عن اعتزازه بالفِرق التي عملت في ظروف ميدانية معقدة، وكانت "في مستوى الحدث، وعنواناً للموثوقية والوصول في اللحظات الفاصلة". ومع اتساع رقعة الأحداث أصبح التنسيق بين المقر والمكاتب الخارجية جزءاً أساسياً من قدرة القناة على تقديم الخبر من موقعه، ثم إسناده بالسياق والتحليل من الاستوديو.

ورافق التحول التحريري، استثمار في البنية التقنية، إذ افتتح مقر لوسيل بثلاثة استديوهات وتجهيزات تتيح التصوير بزاوية 360 درجة وكاميرات ذكية وشاشات رقمية شفافة وأنظمة للغرافيكس والواقع الافتراضي، ضمن بنية بنيت لتسهيل تكامل المحتوى التلفزيوني والرقمي. وبالنسبة إلى عمر، تعمل الفرق التقنية والفنية باستمرار على مواكبة التطور وتطويع الأدوات الجديدة، بهدف تقديم الأخبار "كتجربة متكاملة".

 انتقال الفريق

خلف هذه التجهيزات، كانت هناك تجربة انتقال عاشها الموظفون وعائلاتهم. إيهاب المغربي، مدير فريق تقنية المعلومات والأمن الإلكتروني، كان ممن انتقلوا من لندن إلى لوسيل، وقال لـ"المدن" أن القرار لم يكن سهلاً، خصوصاً أن نقل عائلته من مدينة إلى أخرى مثّل واحداً من أكبر التغييرات في حياته، واحتاج إلى وقت وصبر حتى يتأقلم ويستقر.

ورافقت القرار أسئلة مهنية أيضاً، فتساءل المغربي قبل الانتقال عن قدرته على التكيف مع ثقافة عمل جديدة وبناء علاقات مع زملاء جدد، غير أن الخبرة التي اكتسبها في لندن منحته الثقة لخوض التجربة، وساعده وجود الفريق والإدارة المناسبين على تجاوز التحديات. وتكشف شهادته أن عملية الانتقال لم تتوقف عند نقل أجهزة وموظفين وإنما شملت إعادة بناء إيقاع العمل والعلاقات المهنية في مقر جديد.

ويختصر المغربي الفارق بين المرحلتين بالقول إنه شارك في لندن في بناء العمليات من الصفر، بينما وصل في لوسيل إلى مكاتب واستديوهات كانت قيد التنفيذ وتحتاج إلى اللمسات الأخيرة والتعديلات الضرورية لضمان استمرارية العمل. واستغرق فهم الأنظمة الجديدة وإتقانها بعض الوقت، قبل أن يتحول المقر إلى بيئة عمل مألوفة قادرة على التعامل مع ضغط الأخبار المتسارع.

أما اللحظة التي تختصر له السنوات الأربع، فكانت الانتقال إلى الموقع البديل المخصص للتعافي من الكوارث، ومواصلة البث بسلاسة وسط أجواء الحرب في المنطقة. والموقع البديل هو بنية احتياطية تتيح استمرار العمل عندما يتعرض المقر الأساسي أو أنظمته لمخاطر أو أعطال، واعتبر المغربي أن تلك التجربة جسدت "الصمود في مواجهة الضغوط"، وأظهرت قيمة الاستعداد التقني المسبق.

 الأمن الالكتروني

وترافق تحدي استمرارية البث مع محاولات هجوم إلكتروني استهدفت القناة، وفق المغربي، إلا أن فريقه تمكن من التصدي لها مضيفاً: "خرجنا في كل مرة أقوى مما كنا عليه".

وتمنح هذه التجربة الأمن الإلكتروني موقعاً أساسياً في العمل التلفزيوني الحديث، حيث لم تعد حماية البث والمواد الصحافية وبيانات المؤسسة مهمة خلفية، وإنما شرطاً لاستمرار وصول الأخبار إلى الجمهور.

 جوائز

وظهرت نتائج الاستثمار في المحتوى والتقنيات في الجوائز التي حصلت عليها الشبكة. ففي العام 2025 حصدت 17 تتويجاً في جوائز "تيلي" العالمية عن أعمال شملت الوثائقيات والبرومو والواقع الافتراضي والغرافيكس ثلاثي الأبعاد والمحتوى المخصص للمنصات المختلفة، وأضافت في دورة 2026 تسع جوائز عن إنتاجات وثائقية واستقصائية ودرامية ومعرفية، في مؤشر إلى اتساع مجالات الإنتاج داخل الشبكة.

وبعد أربع سنوات، تلتقي رواية غرفة الأخبار مع تجربة الموظف عند معنى واحد، بأن الانتقال كان عملية متواصلة من البناء والتأقلم والاختبار. فمن جهة، وفّر وجود القناة في لوسيل مساحة أقرب إلى الأحداث العربية وشبكة مراسلين تتوسع مع كل مرحلة. ومن جهة أخرى، أوجد بنية تقنية اختُبرت تحت ضغط الحروب والمخاطر الإلكترونية وأثبتت قدرتها على حماية استمرارية البث.

وبالنسبة إلى المغربي، حسمت التجربة الأسئلة التي رافقته في البداية، وقال إنه لا يشعر بأي ندم على الانتقال إلى لوسيل، بعدما اختبره القرار على المستويين الشخصي والمهني، وأسهم في صقله ليصبح أكثر قوة وخبرة.

وبين "الولادة الجديدة" التي يتحدث عنها محمود عمر و"الصمود" الذي يستعيده إيهاب المغربي، ترسم السنوات الأربع ملامح مرحلة رسخ فيها "التلفزيون العربي" حضوره انطلاقاً من أرض عربية، محافظاً على التزامه بأن يكون قريباً من الخبر ومن جمهوره.