من المثير للسخرية والخيبة أن يتحدث بعض أعضاء مجلس الشعب السوري عن استعادة ضرب الأطفال، وأن يتذمر آخرون من الحضور النسائي الكثيف في المؤسسة التعليمية، في بلد يواجه قطاع التعليم فيه مشكلات تبدأ بالواقع المعيشي للمعلمين، وتمر بالتسرب ونقص الكوادر والمدارس المدمرة، وتصل إلى الحاجة لبناء بيئة تعليمية تحمي الطفل وتمنحه شروطاً تساعده على التعلم والنمو. فالسنوات الأولى التي يقضيها الطفل في المدرسة تؤثر بدرجة كبيرة في علاقته بالمعرفة وبالسلطة وبنفسه، وفي الطريقة التي سيفهم بها لاحقاً المجتمع الذي يعيش فيه.


جاءت المداخلتان خلال جلسة مجلس الشعب يوم الاثنين 14 أيلول/سبتمبر 2026، المخصصة للاستماع إلى وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو ومناقشة واقع القطاع. وفي الجلسة نفسها، كان الوزير يعرض أرقاماً تكفي وحدها لفتح عشرات الملفات: نحو ستة ملايين طالب متوقع وجودهم في المدارس خلال العام الدراسي الحالي، وتقديرات بوجود نحو مليوني طالب متسرب، و2744 مدرسة خارج الخدمة من أصل 18 ألفاً و312 مبنى مدرسياً، بينها 822 مدرسة مدمرة بالكامل. كما تحدث عن ضعف البنية التحتية، والفقد التعليمي، وفجوة الموارد البشرية ومشكلة توزيع الكوادر بين المحافظات.

وسط هذه الصورة، طرح عضو المجلس أحمد محمد خالد السماعيل قضية أخرى. أعلن تأييده لضرب الطلاب، وقال خلال مداخلته: «أنا، بطبيعة الحال، مع الضرب، لأنه سنة نبوية تربوية»، معترضاً على حظر العقاب الجسدي وعلى العقوبات التي قد يتعرض لها المعلم حين يضرب طالباً. ورأى أن منع الضرب تسبب بمشكلات بين المدرسين والطلاب والأهالي، مطالباً عملياً بإعادة مساحة من العقاب الجسدي ضمن ضوابط يصفها بالتربوية. وزير التربية رفض المقترح بوضوح، وقال إن الوزارة ترفض الضرب «علمياً وأخلاقياً»، مضيفاً أن «الضرب يروض ولا يربي»، وأن اللجوء إليه يكشف فشل المعلم والمنظومة في إيجاد وسيلة تربوية أخرى.



وفي الجلسة ذاتها، أثار عضو المجلس محمد إبراهيم الزعبي قضية سماها «تأنيث التعليم». تساءل عن ارتفاع أعداد المعلمات والمديرات والموجهات مقارنة بالرجال، خصوصاً في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وربط ذلك بضعف شخصية بعض الطلاب وتراجع «هيبة» العملية التعليمية، معتبراً أن الطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى صورة «معلم رجل» تساعده على اكتساب شخصية قوية. التصريح أثار موجة واسعة من الانتقادات، قبل أن يقول الزعبي لاحقاً إن كلامه اجتُزئ من سياقه، مؤكداً أنه يدعم تعليم المرأة وعملها.



من هما السماعيل والزعبي؟

النائب خالد السماعيل من مواليد القصير في محافظة حمص عام 1983، ويعمل في المحاماة، وحصل على إجازة في الحقوق ودبلوم في القضاء وماجستير في الاقتصاد الإسلامي، وعمل أيضاً في الخطابة الدينية. وبعد سقوط نظام الأسد تولى إدارة منطقة القصير، ثم دخل مجلس الشعب عضواً منتخباً عن دائرة القصير والمخرم في محافظة حمص.

أما الزعبي فهو طبيب بشري متخصص في الطب الشرعي، من مواليد عام 1970، ويرتبط مساره المهني بمحافظة درعا ومدينة إزرع. عمل في المجال الطبي والأكاديمي، وشغل مواقع في مؤسسات طبية في مناطق المعارضة خلال سنوات الحرب، قبل أن يتولى بعد سقوط النظام مسؤوليات رسمية ومحلية من بينها إدارة منطقة إزرع، كما تولى مواقع مرتبطة بالطب الشرعي والعمل النقابي الطبي.

ولم يدخل الزعبي المجلس بالطريقة نفسها التي دخل بها السماعيل. اسمه ورد في المادة الثانية من المرسوم الرئاسي الصادر في الأول من تموز/يوليو 2026، ضمن سبعين عضواً عيّنهم الرئيس أحمد الشرع لاستكمال تشكيل مجلس الشعب.

هل المشكلة أن المعلمة امرأة؟
وطرح محمد إبراهيم الزعبي يبدأ من حقيقة يمكن بحثها: النساء يشكلن نسبة مرتفعة من العاملين في التعليم، وخصوصاً في المراحل الأولى، وهي ظاهرة موجودة في أنظمة تعليمية كثيرة حول العالم، لكن الزعبي انتقل من السؤال العددي إلى استنتاج مختلف تماماً: كثرة النساء تضعف «هيبة» التعليم ولا تمنح شخصية الطالب القوة الكافية، فيما يحتاج الطفل إلى «معلم رجل».

ولكي تصبح هذه العبارة أكثر من انطباع شخصي، تحتاج إلى دليل يثبت وجود علاقة سببية بين جنس المعلم وقوة شخصية الطفل، وهو شيء لم يقدمه الزعبي !.

وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن النساء يشكلن أغلبية كبيرة من المعلمين في عدد كبير من الدول، وتزداد النسبة بصورة واضحة في التعليم الابتدائي، وبالتالي ارتفاع نسبة النساء في التدريس ظاهرة دولية معروفة، وليست مؤشراً بحد ذاته إلى انهيار سلطة المدرسة أو ضعف شخصية الطلاب.

الجزء الأكثر إشكالاً في خطاب الزعبي هو مفهوم «الهيبة» نفسه، فعندما يصبح المعلم الرجل ضرورياً لأن وجوده يمنح الطفل شخصية قوية، فإن القوة والحزم والسلطة تتحول ضمنياً إلى صفات ذكورية، بينما يصبح وجود المرأة عاجزاً عن إنتاج المستوى نفسه من السلطة التربوية، وتحمل هذه الفكرة نتائج عملية لو انتقلت من الكلام المجاني إلى السياسة، فعندما تقرر مؤسسة تعليمية أنها تحتاج إلى رجل من أجل «الهيبة»، يصبح جنس المتقدم للوظيفة معياراً يستطيع أن يتقدم على الخبرة والتأهيل والكفاءة.

ويمكن لسوريا أن تحتاج إلى مزيد من المعلمين الرجال، وقد يكون وجود نماذج متنوعة من النساء والرجال مفيداً للأطفال، لكن زيادة عدد الرجال يمكن تحقيقها عبر دراسة أسباب عزوفهم عن المهنة، وتحسين الأجور وظروف العمل ومكانة المدرس الاجتماعية وجاذبية القطاع.

لاحقاً أوضح الزعبي بعد انتشار المقطع أن كلامه اجتزئ، وقال إنه يدعم عمل المرأة وتعليمها، إلا أن هذا التوضيح لا يحل المشكلة المركزية في المداخلة: الربط الذي أجراه بنفسه بين غلبة النساء وبين ضعف الهيبة والشخصية.

ماذا قال السوريون؟

انتشرت المقاطع على وسائل التواصل بسرعة، وتركز جزء كبير من التعليقات على الاستغراب من الموضوعين اللذين اختارهما النائبان وسط أزمات التعليم الأخرى، وتساءل معلقون عما إذا كان الرئيس أحمد الشرع ورفاقه قد تعلموا هم أيضاً في المنظومة التعليمية «الأنثوية» نفسها، مضيفة أن كثرة المعلمات لم تنتقص من رجولتهم.



أما المعالجة النفسية آلاء تللو فاعترضت على ربط ضرب الأطفال بالسنة النبوية، وكتبت أن العقاب الجسدي يكسر الثقة ويولد الخوف والغضب، وأن الطاعة الناتجة عنه مرتبطة بالخوف من العقوبة أكثر من بناء انضباط داخلي.


وظهر في النقاشات اعتراض مختلف يختصر ربما أكثر ما أثار الاستياء من المداخلتين، حيث كتب أحد المستخدمين أن أعضاء المجلس تركوا «أوضاع المعلمين والرواتب وسوء التعليم وعدد الطلاب الكبير بالصف وحالات التسرب» وانشغلوا بالضرب و«تأنيث التعليم». فيما طالب آخرون بالسماح بالضرب داخل مجلس الشعب نفسه، كنوع من السخرية. 



المدرسة التي تحتاجها سوريا

مشكلات قطاع التعليم في سوريا كثيرة ولن تختفي إذا حمل المعلم عصا، ولن تصبح المدرسة أكثر قدرة على التعليم عندما يدخلها مزيد من الرجال لمجرد أنهم رجال، فهيبة المدرسة لا تحتاج إلى جسد طفل تستطيع السلطة إيذاءه، ولا إلى جنس محدد يمنحها القوة،والحل يكون عبر مؤسسة قادرة على حماية المعلم والطالب، وقانون واضح ومدرس مؤهل يحصل على دخل يحفظ كرامته، وصف يمكن إدارته، وإدارة تعرف كيف تتعامل مع المشكلات، وطفل يشعر بالأمان بما يكفي لكي يتعلم.

وإذا كانت «هيبة التعليم» تحتاج إلى رجل كي يمثلها وعصا كي تحرسها، فربما تكون المشكلة الأكثر إلحاحاً هي تعريف الهيبة الذي نحاول إعادته إلى المدرسة.