أوقفت السلطات السورية الناشط السوري البريطاني باسل حافظ في مطار دمشق الدولي، قبل نقله إلى فرع الجرائم الإلكترونية في دمشق، على خلفية دعاوى مرتبطة بما نشره وكتبه عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتفيد معلومات متداولة بأن الملف يضم عدة دعاوى شخصية تقدّم بها سوريون يتهمونه بالسب والإهانة، إضافة إلى شكاوى تتعلق بمنشورات وُصفت بأنها مسيئة لشخصيات مرتبطة بالثورة السورية ولسكان المخيمات. وحتى الآن، لم تصدر وزارتا الداخلية والعدل بياناً يوضح التهم الموجهة إليه، أو عدد الدعاوى، أو الأساس القضائي الذي أتاح توقيفه فور وصوله إلى المطار.

سجل طويل من السجالات

مع انتشار خبر التوقيف، عادت صور قديمة وحديثة من صفحة حافظ وتعليقاته إلى الواجهة. وتُظهر مراجعة عيّنة واسعة منها أن القضية ترتبط بسجل يمتد سنوات من السجالات الشخصية والسياسية، استخدم فيها ألفاظاً بذيئة وشتائم جنسية وإهانات تتعلق بالنسب والشرف، إلى جانب أوصاف تحقيرية استهدفت في بعض الحالات جماعات بأكملها بحكم بيئتها أو انتمائها الاجتماعي أو القبلي أو الديني.

ومن بين ما ورد في هذا السجل، عبارة مشتقة من شتيمة جنسية استخدمها حافظ بحق الناشطة السورية ميسون بيرقدار، وسجالات أخرى تضمنت إهانات مباشرة للأم والأب والنسب، إلى جانب أوصاف حيوانية تحقيرية. وتتكرر هذه المفردات عبر منشورات وتعليقات متباعدة زمنياً، بما يجعلها سمة واضحة من أسلوبه في السجال.

وفي مواد أخرى، اتسع نطاق الاستهداف ليشمل جماعات كاملة بدل أفراد بعينهم؛ إذ وصف أبناء الأرياف والعشائر بعبارات تحط من أصلهم الاجتماعي والمناطقي، وربط في مواضع أخرى بين سكان المخيمات وأوصاف مهينة تتصل بالفقر والحرمان. الأمر ذاته يتكرر في الحديث عن الدين والطائفة، حيث استخدم مصطلحات ذات حمولة طائفية بصورة ازدرائية ضمن خصوماته السياسية، من دون أن يعني ذلك أنها كانت ثابتة المعنى في كل كتاباته، بل بدت أقرب إلى أداة سجال توظَّف بحسب الخصم.

وتتقاطع بعض هذه المنشورات مع ما يتردد عن الدعاوى المرفوعة ضده؛ فالحديث عن شكاوى تقدم بها سكان مخيمات، أو أفراد رأوا في كتاباته إهانة مباشرة لهم، ينسجم مع وجود منشورات فعلية بهذا المضمون. غير أنه لا تتوفر حتى الآن وثائق قضائية تحدد أياً من هذه المنشورات أُدرج فعلياً ضمن ملف الدعوى.

ردود فعل غير متباينة

خلافاً لحالات أخرى مرتبطة بمنشورات على وسائل التواصل، لم تُظهر غالبية التعليقات المتداولة على فيسبوك تعاطفاً مع حافظ، بل وصل بعضها إلى المطالبة بإنزال أقصى العقوبات بحقه، فيما استعاد مستخدمون منشورات قديمة له لتبرير مواقفهم. وتعكس هذه الردود حجم الخصومات التي راكمها عبر سنوات، وأثر لغته على أشخاص وجماعات استهدفتهم كتاباته، من دون أن تشكل بحد ذاتها حكماً قضائياً أو معياراً لتقييم سلامة إجراءات توقيفه، في المقابل انتقد البعض عملية الاعتقال نفسها، متجاهلين الأسباب، ومركزين فقط على قرار وزارة العدل إيقاف العمل بقانون الجرائم الالكترونية. 

أين يقف القانون السوري من هذه المنشورات؟

يضع القانون السوري جزءاً كبيراً من هذه الأفعال ضمن نطاق واضح للملاحقة. فما زال القانون رقم 20 لعام 2022 الخاص بالجرائم المعلوماتية نافذاً، رغم إعلان وزارة العدل مراجعة نصوصه تمهيداً لتعديلها. وتجرّم المادة 24 منه "الذم الإلكتروني"، وتفرض عند وقوعه علناً عبر الشبكة الحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر مع غرامة مالية، فيما تتناول المادة 25 "القدح أو التحقير الإلكتروني"، وتفرض في حال النشر العلني الحبس من عشرة أيام إلى شهرين إضافة إلى الغرامة.

هذا الفارق بين المادتين له دلالته في قضية حافظ: فالشتائم المباشرة التي يُراد بها إهانة الشخص أقرب إلى القدح أو التحقير، بينما قد تأخذ العبارات التي تنسب واقعة تمس السمعة أو الشرف وصف الذم. أما تحديد الوصف الدقيق لكل عبارة فيبقى مرهوناً بتقدير القضاء بعد دراسة النص وسياقه.

وتصبح المسألة أكثر جدية عند الانتقال إلى الخطاب الموجه ضد جماعات دينية أو اجتماعية بكاملها. فالمادة 31 من القانون نفسه تعاقب على نشر محتوى رقمي بقصد الإساءة إلى الأديان أو المقدسات أو الشعائر الدينية، وتشمل أيضاً الحض على الكراهية والتحريض على العنف، بعقوبة تصل إلى الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة تتراوح بين ثلاثة وستة ملايين ليرة. غير أن تطبيقها يستلزم إثبات القصد والسياق، ولا يكفي وجود لفظ مهين بمفرده لتحقق الحض على الكراهية.

قانون محل جدل حقوقي

رغم اتساع نطاقه، يظل قانون 2022 نفسه محل اعتراض حقوقي واسع. فقد طالبت منظمة العفو الدولية في تموز/يوليو الماضي بتعليق العمل به إلى حين تعديله، معتبرة أن عدداً من مواده صيغ بصورة فضفاضة سمحت بملاحقة صحافيين وناشطين بسبب تعبير سلمي على الإنترنت. ووثّقت المنظمة خمس حالات توقيف بين كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو 2026 استناداً إلى أحكامه، وخلصت إلى أن الإصلاحات الإجرائية التي أعلنتها وزارة العدل لم تعالج بعد المشكلات الجوهرية في نص القانون.

ما الذي يفسر التوقيف في المطار؟

هنا يبرز الفرق الجوهري بين مضمون منشورات حافظ وطريقة توقيفه. فوجود منشورات قد تشكل قدحاً أو ذماً أو تحقيراً يوفر أساساً قانونياً للشكوى والتحقيق والمحاكمة، لكنه لا يفسر وحده القبض عليه فور وصوله إلى مطار دمشق، إذ يخضع هذا الإجراء لضوابط أخرى أصدرتها وزارة العدل نفسها قبل نحو شهرين ونصف من توقيفه.

ففي 29 حزيران/يونيو، أصدرت الوزارة التعميم رقم 26 لتنظيم إجراءات الجرائم المعلوماتية، ونص على ترشيد الإحالة إلى الضابطة العدلية وحصرها أساساً بالقضايا التي تستدعي تحقيقات رقمية أو يكون فيها الفاعل مجهول الهوية. أما في قضايا القدح والذم حين يكون صاحب المنشور معلوم الهوية، فقد وجّه التعميم نحو الادعاء المباشر أمام المحكمة المختصة، وقيّد احتجاز المشكو منهم وإذاعة البحث عنهم بوجود قرار خطي من النيابة العامة، مؤكداً أن التوقيف الاحتياطي إجراء استثنائي وأن إذاعات البحث يجب أن تقتصر على الجرائم الخطيرة والحالات التي تستدعيها الضرورة. وفي 6 آب/أغسطس، عادت وزارة العدل لتشدد مجدداً على وجوب التزام الجهات القضائية بهذه الضوابط.

وعليه، فإن تعدد الدعاوى ضد حافظ يوفر أسباباً كافية للتحقيق، لكنه لا يكشف وحده سبب توقيفه في المطار. المعلومة الحاسمة هنا هي وجود قرار خطي صادر عن النيابة العامة، أو إذاعة بحث مستوفية للشروط التي وضعها التعميم، وتزداد الحاجة إلى هذا التوضيح إذا كانت الدعاوى مقتصرة على القدح والذم من حساب معروف صاحبه معلوم الهوية. وقد تكون لدى النيابة أسباب إضافية غير معلنة، من بينها اتهامات بالحض على الكراهية أو مخاوف من مغادرته البلاد بحكم إقامته في الخارج، لكن هذه الاحتمالات تبقى بحاجة إلى قرار قضائي ووقائع موثقة في الملف، ولا يمكن استنتاجها من طبيعة المنشورات وحدها.

مقارنة بريطانية: ماذا لو حدث الأمر هناك؟

تطرح الجنسية البريطانية التي يحملها حافظ سؤالاً مفيداً: ماذا كان سيحدث لو نُشرت العبارات نفسها بحق أشخاص مقيمين في بريطانيا، ثم تقدّم عدد منهم بشكاوى موثقة إلى الشرطة؟

في إنجلترا وويلز، لا تقود الشتيمة وحدها تلقائياً إلى التوقيف؛ فالقانون يحمي مساحة واسعة من التعبير المزعج أو الصادم، فيما تسمح قوانين الاتصالات بملاحقة المحتوى الذي يصل إلى حد الإساءة الجسيمة أو يحمل طابعاً تهديدياً، وفق شروط تحددها القوانين وإرشادات الادعاء العام الذي يشترط النظر إلى المحتوى والسياق وحرية التعبير قبل اتخاذ قرار الملاحقة.

يتغير الوضع حين يتكرر الاستهداف؛ إذ يسمح قانون مكافحة المضايقة لعام 1997 باعتبار سلسلة من الرسائل والمنشورات "مساراً من السلوك" إذا تكررت وشكّلت في مجموعها مضايقة لشخص أو لمجموعة صغيرة، ما قد ينقل الملف من إساءة منفردة إلى قضية جنائية أوسع. كما تتعامل بريطانيا بصرامة أكبر مع الجرائم المصحوبة بعداء عرقي أو ديني، إذ يشمل تعريف الجماعة العرقية في القانون العرق واللون والجنسية والأصل القومي أو الإثني، بينما تحتاج جريمة التحريض على الكراهية العرقية إلى محتوى تهديدي أو مسيء مع نية إثارة الكراهية أو احتمال جدي لذلك، فيما تُشترط في التحريض على الكراهية الدينية معايير أضيق أبرزها الطبيعة التهديدية للمحتوى ووجود نية واضحة لإثارة الكراهية.

وتوضح سوابق حديثة هذا التمايز: ففي حزيران/يونيو 2026، أُدين Gareth Bradley بخمس جرائم بعد إرسال رسائل تضمنت محتوى معادياً لليهود والمسلمين والمسيحيين ووُصفت بأنها "مسيئة بصورة جسيمة"، وحُكم عليه بأمر مجتمعي لمدة عامين مع إعادة تأهيل ومراقبة. وفي 8 أيلول/سبتمبر، صدر حكم بالسجن عامين بحق Thomas Webster بعد إقراره باثنتي عشرة تهمة مرتبطة بنشر محتوى عنصري وديني ومعاد للمثليين بصورة متكررة، تضمّن دعوات ورسائل عنيفة تهدف إلى إثارة الكراهية. ووقائع هذه القضية أشد بكثير مما هو متاح حالياً في ملف حافظ، لكنها تبيّن أن منشورات وسائل التواصل يمكن أن تفضي إلى أحكام بالسجن حين تتوافر عناصر التحريض القانونية.

أما قرار الاعتقال نفسه في بريطانيا، فيخضع لقاعدة إضافية؛ إذ يشترط قانون وإرشادات الشرطة في إنجلترا وويلز وجود أسباب معقولة للاشتباه بارتكاب جريمة، ثم أسباب معقولة تجعل القبض على الشخص ضرورياً، من بينها حماية الأدلة أو منع التأثير على الشهود أو ضمان سير التحقيق أو الاعتقاد بأن المشتبه به لن يحضر طوعاً. كما تطلب مدونة "PACE Code G" من الشرطة التفكير في وسائل أقل تدخلاً حين تكون متاحة، مثل استدعاء الشخص لمقابلة طوعية.

وعليه، فلو تقدم عدة بريطانيين بشكاوى ضد حافظ على نمط مشابه من المنشورات، فقد تفتح الشرطة تحقيقاً، وقد تستدعيه أو تعتقله بحسب طبيعة الاتهامات ومدى الحاجة الفعلية للقبض عليه. والنتيجة في الحالتين تتوقف على المحتوى نفسه، وتكراره، وهوية المستهدفين، وحجم الضرر، ووجود مضايقة أو تهديد أو دافع عنصري أو ديني، إذ إن مجرد وجود مجموعة من الشتائم لا يفضي إلى حكم واحد ثابت.