خرج محتجون غاضبون في إدلب رفضاً لرفع أسعار المحروقات، وهتف محتجون في معرة النعمان: "الشعب يريد إسقاط الوزير"، لتواجه الحكومة أول تحدّ جدّي من نوعه، بالنظر إلى أن الغضب يأتي من المنطقة التي حكمتها لسنوات، وكانت حاضنة الثورة وشكلت أول رافد أساسي أدى الى سقوط الأسد ونجاح الثورة السورية.
ومع امتداد االاحتجاجات إلى مناطق في الحسكة والرقة ودير الزور وحلب، وما رافقها من قطع طرق وإشعال إطارات، اكتسب الاعتراض على القرار طابعاً يتجاوز المطالب الخاصة بقطاع أو مهنة، إذ جمع بين متضررين تمسّ الزيادة قدرتهم على العمل والتنقل وتأمين احتياجاتهم اليومية. وسبق أن شهدت المرحلة التالية لسقوط الأسد تحركات مطلبية، بينها احتجاج موظفي كهرباء إدلب عام 2025، غير أن تزامن الغضب الحالي في مناطق عديدة وحضور إدلب فيه يضعان العلاقة بين الحكومة والمجتمع أمام امتحان سياسي مباشر.
من يحكم بإسم إدلب؟
تنبع خصوصية إدلب من الخلط بين أهلها والحكومة الحالية، حتى غدا اسم المحافظة اختصاراً لتجربة سياسية وإدارية تُستدعى كلما جرى الحديث عن إدارة البلاد. فعندما تنسب قرارات الحكومة إلى "تجربة إدلب"، يتحمّل السكان نصيباً من مسؤولية خياراتها لمجرد أنهم عاشوا في المنطقة التي اتُّخذت فيها.
واحتضنت محافظة إدلب مهجّرين من مناطق سورية مختلفة وأصبحت مقراً لفصائل ومؤسسات خلال الحرب، فإن ذلك لا يجعل سكانها مسؤولين جماعياً عن خيارات من تولّى الحكم على أرضهم، إذ تظل مسؤولية القرار متصلة بمن يملك اتخاذه، فيما تبقى حصة الأهالي من الخدمات وفرص العمل، وقدرتهم على التأثير في شؤونهم، معياراً للحكم على التجربة. وتزداد مسؤولية القيادات التي عاشت في الشمال الغربي لأنها تعرف تفاصيل المعاناة التي تطلب من الناس احتمال المزيد منها.
وتظهر هذه المسافة بين حضور إدلب في السياسة وأحوال سكانها في قرى جبل الزاوية، حيث نقلت صحف محلية رسمية، في أيار/مايو الماضي، عن رئيس بلدية الرامي، حاجة قرى الجبل إلى تأهيل شبكات الكهرباء ومعالجة نقص المياه وإصلاح الطرق. فالأهالي الذين ينتظرون استعادة الخدمات يتحمّلون في الوقت نفسه كلفة البدائل التي يضطرون إليها ما يجعل زيادة الوقود عبئاً إضافياً على حياة تستنزفها أصلاً نفقات تعويض ما تفتقر إليه.
فواتير تتراكم
وصل قرار المحروقات إلى هذا الواقع بعد جولات من الغلاء طالت احتياجات أساسية، بدأت آثار بعضها تظهر بوضوح مع صدور فواتير الكهرباء وفق التعرفة التي أقرتها وزارة الطاقة في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2025، وحُدّد سعر الكيلوواط الساعي للاستهلاك المنزلي بـ600 ليرة ضمن الشريحة الأولى، حتى 300 كيلوواط ساعي للدورة، و1400 ليرة للشريحة الثانية، بالعملة القديمة آنذاك.
بالتوازي، أثارت كلفة الاتصالات اعتراضات على أسعار الباقات وإلغاء باقات الساعات، مع تقليص الخيارات من نحو مئتي باقة إلى خمس عشرة، بعدما كانت الوزارة قد طلبت من مزودي الخدمة آنذاك "سيريتل" و"إم تي إن" توضيحات عن الباقات الجديدة وأسعارها.
ثم جاءت تسعيرة المحروقات في 13 أيلول/سبتمبر، فارتفع ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة جديدة، بزيادة بلغت 40 في المائة، والبنزين من 152 إلى 195 ليرة، أي نحو 28 في المئة، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 1470 إلى 1600 ليرة. وبذلك طالت الزيادة وقود النقل والإنتاج والتدفئة، إلى جانب الغاز الذي تعتمد عليه الأسر في الطبخ، لتضيف إلى المصروف المنزلي المباشر كلفاً أخرى تنتقل عبر السلع والخدمات.
وكان مرسوم الأجور للعام 2026 قد أقر زيادة 50% لفئات من العاملين في القطاعين العام والمشترك، وحدّد الحد الأدنى العام للأجور بـ12560 ليرة جديدة شهرياً، وهو مبلغ تكشف مقارنته بالتسعيرة الجديدة ضيق القدرة على الاحتمال.
كلفة الوصول إلى العمل
وسرعان ما ظهرت آثار القرار في المواصلات، إذ ارتفعت أجرة بعض السرافيس على خطي المهاجرين–الصناعة ودويلعة–البرامكة من 30 إلى 50 ليرة جديدة، مع تفاوت السعر بين المركبات. ويمتد الأثر إلى من لا يستخدم المواصلات يومياً، بحكم دخول المحروقات في تشغيل الجرارات ومضخات الري والمولدات ونقل المحاصيل والبضائع.
الناس في الشارع
على هذا النحو، يمكن قراءة زيادة المحروقات بوصفها الحلقة التي دفعت غضباً متراكماً إلى الشارع، بعدما باتت كلفة كسب الرزق نفسها ترتفع على الأسرة التي استنفدت جانباً من قدرتها على التكيّف. فعندما يدفع العامل المزيد للوصول إلى عمله، ويواجه صاحب المهنة زيادة في كلفة تشغيلها، تتراجع قيمة ما يكسبانه حتى لو بقي الدخل الاسمي ثابتاً، ويصبح الاعتراض على الغلاء متصلاً بحق الناس في الاحتفاظ بالقدرة على العمل والعيش من مردوده.
العودة إلى الحمير
وفي ضوء هذا الانسداد، تكتسب المنشورات الساخرة من العودة إلى الحمير، دلالتها، بما تحمله من مبالغة تعبّر عن الخوف من التراجع إلى وسائل حياة كان يُفترض تجاوز الحاجة إليها. فالسخرية التي ظهرت عقب الزيادة تختصر، في أحد وجوهها، ضيقاً من مطالبة الناس بالتدبّر والتكيّف كلما ارتفع سعر خدمة أساسية، كأن في مصروفهم متّسعاً دائماً للاقتطاع، وكأن الاستغناء عن حاجة جديدة يصلح جواباً مستمراً عن تراجع قدرتهم على تأمينها.
من يتحمّل كلفة التعافي؟
في تبريرها للقرار، قالت وزارة الطاقة إن الزيادة مؤقتة، وترتبط بارتفاع كلفة المشتقات المستوردة والشحن والتأمين، بالتزامن مع صيانة شاملة لمصفاة بانياس تستمر قرابة شهرين، فيما يعتمد نحو 60 في المئة من إمداد المازوت على الاستيراد، وفق أرقامها. ويشرح هذا التبرير جانباً من الصعوبة التي تواجهها الدولة في تأمين الوقود، لكنه يترك للحكومة مسؤولية بيان الخيارات التي درستها قبل إقرار الزيادة، وكيف قدّرت قدرة الناس على تحمّلها.
فما دامت صيانة المصفاة مقررة مسبقاً، يصبح من حق المتضررين معرفة ما أُعدّ لها من مخزون وتمويل، وما كان متاحاً من بدائل لتخفيف أثرها على السوق، إلى جانب الاطلاع على مكونات التسعير وما تتضمنه من رسوم وهوامش. كما أن وصف الزيادة بالمؤقتة يقتضي تحديد موعد للمراجعة ومعايير واضحة لخفض الأسعار، بالتوازي مع بيان ما يمكن تمويله من حماية للنقل العام والزراعة والأسر الأشد فقراً، حتى تؤخذ قدرة المواطنين على الدفع في صلب القرار الاقتصادي.
وحتى 14 أيلول الجاري، بقيت الزيادة نافذة مع إعلان مراجعة مرتقبة للتسعير، في حين أعلنت وزارة الاقتصاد تثبيت سعر ربطة الخبز ووزنها، وتعويض ارتفاع الكلفة بخفض سعر طن الدقيق المخصص للخبز من عشرين ألفاً إلى خمسة عشر ألف ليرة جديدة. ويوفّر هذا الإجراء حماية لبند أساسي في مصروف الأسرة، من دون أن يحسم آثار القرار على بقية احتياجاتها، وهو ما يمنح جلسة الاستماع إلى وزير الطاقة، التي قرر مكتب مجلس الشعب عقدها في 17 أيلول، أهمية تتوقف على ما ستكشفه من حسابات وما ستفضي إليه من مراجعة.
وتُقاس جدية الاستجابة بقدرتها على تخفيف الكلفة عن المتضررين، وبوضوح المسؤولية عن القرار ونتائجه. أما في إدلب، فإن معرفة الحكومة بتاريخ المجتمع وأحواله تجعل مساءلتها أشد إلحاحاً، لأن السنوات التي أمضتها في حكم المنطقة يفترض أن تكون قد عرّفتها بحدود ما يستطيع سكانها احتماله. ومن هنا يستمد الاختبار معناه السياسي، حين تُطالَب السلطة باستقبال اعتراض هؤلاء ومراجعة خياراتها على أساسه، فيما يحق لمن دفعوا كلفة الحرب أن يعرفوا نصيبهم من التعافي، والمدة التي يُنتظر منهم خلالها أن يتحمّلوا كلفته قبل أن يصل أثره إلى بيوتهم.

