يواصل ريان مورفي تحويل الجريمة إلى مادة بصرية تثير الدهشة والرعب والاشمئزاز في آن واحد، من خلال سلسلة "Monster" (الوحش) التي ابتكرها مع الكاتب والمنتج إيان برينان وانطلقت في "نتفليكس" العام 2022. نفتن بجمال مشهد يصعب احتمال ما يجري فيه، ونشفق على شخصية بعدما شاهدنا فظاعة جرائمها، لتصبح مشاعرنا جزءاً من الأسئلة التي يطرحها العمل.
تستعيد السلسلة عبر مواسم مستقلة قضايا قتل حقيقية شغلت المجتمع الأميركي، ولأن كثيراً من وقائعها معروف، يمتد التشويق إلى الطريق الذي قاد إليها: كيف أصبح هذا الإنسان قادراً على القتل؟ لكن محاولة الفهم تورّطنا أحياناً، فنجد أنفسنا نتمنى خلاص الشخصية، ثم نكتشف أن العمل جعل الانتقام يبدو وسيلتها الوحيدة إليه.
تتضح المعضلة في الموسم الرابع، "قصة ليزي بوردن"، المعروض منذ 17 أيلول/سبتمبر 2026. تؤدي إيلا بيتي دور ليزي، المتهمة بقتل أبيها أندرو (تشارلي هونام) وزوجته آبي (ريبيكا هول) في ماساتشوستس عام 1892. بُرّئت في محاكمتها العام 1893، لكن المسلسل يظهرها شريكة في الجريمة، ويمنحها تاريخاً من الإذلال يفسر غضبها، مستخدماً التخييل لبناء ما لم يحسمه السجل التاريخي.
نراها تستعد للقاء رجل جاء لطلب يدها، فتلقّنها زوجة أبيها كيف تتصرف وتحيط تعليماتها بالإهانات، ثم يتحول الحيض وبقعة الدم على الأريكة إلى سبب إضافي لتحقيرها. تبقى في عينيها نظرة طفولية، ويبدو صمتها عجزاً عن الدفاع عن نفسها، فيما ينصرف اهتمام من أمامها إلى الأثاث وآداب التصرف. ويتسع الإذلال حين تقتل زوجة أبيها طيورها ويرفض الأب الإصغاء إلى شكواها، حتى يتحول الغضب منهما إلى ارتياح لغيابهما حين يُقتلان.
غير أن تكرار موتهما في صور متخيلة قبل الجريمة يمنح الانتقام طابعاً كوميدياً، وينقل الانتباه من فظاعة الموت إلى الصيغة الجديدة التي سيأخذها. وقد وصف ماكس وينكلر، مخرج ست حلقات، العمل بأنه "كوميديا شديدة السواد"، تستمد ضحكها من موضوعات مؤلمة أو مرعبة. يُعرض إذلال ليزي بما يدعو إلى الانحياز إليها، بينما تكتسب صور الانتقام خفة تسمح باحتمالها، فيصبح الدم أكثر حضوراً وأقل إيلاماً.
ويمتد التأثير إلى جمال الصورة؛ فالأزياء والديكور وأناقة البيوت تكشف التناقض بين واجهة الاحترام وما يحدث خلفها، لكن التكوين البصري والأداء قد يستحوذان على الانتباه حتى تصبح الجريمة جزءاً من متعة المشهد. نستجيب إلى براعة تمثيل الألم ويتراجع إحساسنا بمن يتألم، فتجتمع المتعة الفنية والرفض الأخلاقي، ويبقى السؤال عما إذا كان العمل يعيد الضحية إلى مجال رؤيتنا أم يكتفي بإبهارنا.
وتزداد المسألة تعقيداً مع أيلين وورنوس (سارة بولسون)، التي عملت في الجنس وأُدينت بقتل ستة رجال قبل إعدامها العام 2002. يمنح الاعتداء الذي يعرضه المسلسل دفاعها عن نفسها حضوراً قوياً، فنرى امرأة تُعدم مقابل ليزي التي تُبرّأ. تاريخياً، كانت رواية أيلين عن الاغتصاب والدفاع عن النفس موضع نزاع قضائي، وشملت قضيتها جرائم أخرى، لكن المعلومة العابرة لا تترك أثر مشهد نعيشه معها. وتفتح المقارنة بين ابنة الأسرة الميسورة والمرأة المهمشة أسئلة الطبقة والسمعة وصورة البراءة، من دون أن تختزل اختلاف الحكمين وأدلتهما فيها.
تتغير حدود التعاطف في الموسم الأول، "قصة جيفري دامر" (2022)، الذي يؤدي بطولته إيفان بيترز، ويتناول جرائم رجل قتل سبعة عشر رجلاً وفتى بين العامين 1978 و1991. يمنحه بيترز صوتاً قليل الانفعال وحضوراً مرتبكاً يكشفان هشاشته ووحدته، ثم نراه يمارس سيطرة مدمرة على الآخرين. فضحاياه لم يكونوا مسؤولين عن حرمانه، وحاجته إلى القرب لا تفسر سلبهم حياتهم؛ إذ يتحول طلب الحب إلى رغبة في الامتلاك وإلغاء حق الآخر في المغادرة، كما أن مثليته لا تفسر عنفه.
ويستعيد الموسم بعض التوازن حين يمنح توني هيوز، الشاب الأصم الذي يؤديه رودني بورفورد، حياة تسبق مقتله، وتتسع المسؤولية بإظهار تقاعس الشرطة. لكن والدته شيرلي اعترضت على دقة تصوير قصته واستخدام الأسماء الحقيقية، لتذكّر بأن ما نستهلكه بوصفه أداءً يتعلق لدى آخرين بفقدان إنسان وبصورة عنه لا يملكون التحكم فيها.
أما الموسم الثاني، "قصة لايل وإريك مينينديز" (2024)، فيعيد النزاع إلى الأسرة. يؤدي نيكولاس ألكسندر تشافيز دور لايل وكوبر كوتش دور إريك، اللذين قتلا عام 1989 والدهما خوسيه ووالدتهما كيتي (خافيير بارديم وكلوي سيفيني)، وتتعارض روايات الجشع والخوف والاعتداء كلما تحدث الابنان عما يقولان إنهما تعرضا له خلف أبواب البيت الثري.
وفي الحلقة الخامسة، التي كتبها برينان وأخرجها مايكل أوبندال، يتحدث إريك إلى محاميته ليزلي أبرامسون (آري غراينور) في لقطة متصلة تقارب ثلاثاً وثلاثين دقيقة. نعرف أنه قتل والديه، ثم نريد تصديق ألمه وحمايته، وتبرهن الحلقة أن القسوة تصل عبر وجه وصوت من دون إعادة تمثيل كل اعتداء. وهنا يظهر معيار لضبط العنف: ما الذي تضيفه رؤيته إلى فهمنا؟ قد يمنع تلطيف الجريمة، وقد يكرر معنى وصل بالفعل، فتتعلق ضرورته بما يفعله بحضور الضحية، وتتجاوز كمية الدم.
ويأخذ الخضوع العائلي صورة أخرى في الموسم الثالث، "قصة إد غين" (2025)، عن جرائم القتل ونبش القبور في ويسكونسن. يؤدي تشارلي هونام دور غين ولوري ميتكالف دور أمه أوغستا، ويبقى الرجل معلقاً بصوتها وحاجته إلى رضاها بعد موتها. توحي طريقته في الكلام بطفل خائف لم يتحرر من سلطتها، لكن الصورة تضعف حين تُستخدم لتفسير كل أفعاله.
وهنا يحضر سؤال مورفي: "هل تُصنع الوحوش، أم تولد؟". تمنح العودة إلى الطفولة المجرم تاريخاً، لكنها تختزله إذا جعلت الأسرة سبباً كافياً للجريمة. فالسلسلة تعرف النهاية وتنتقي من الماضي ما يفسرها، فتبدو الإهانة مقدمة حتمية للقتل وتتوارى احتمالات النجاة. لإساءة معاملة الأطفال آثار طويلة، لكن لا سبب واحداً لنشأة القاتل المتسلسل، والاضطراب النفسي لا يساوي العنف. وتبقى أهمية العمل في مساءلة تحقير الطفل وإنكار شكواه وربط المحبة بالطاعة، وفي التفكير بمسؤولية الأسرة ومؤسسات الحماية قبل المأساة، فالطفل يستحق الأمان حتى لو لم يرتكب جريمة.
ومن توجيه التعاطف تستمد المقارنة بالمخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك أهميتها، ويستحضره موسم غين شخصية يؤديها توم هولاندر. في فيلمه "سايكو" (1960)، تصل ماريون كرين (جانيت لي) إلى نزل يديره نورمان بيتس (أنتوني بيركنز)، وبعد مقتلها نتابعه وهو يغرق السيارة التي تحمل جثمانها. وحين تتوقف عن الغوص، نترقب أن تستأنف نزولها، فننتظر نجاح إخفاء جريمة وقعت على امرأة تعلّقنا بها. يكشف الإخراج أن حكمنا الأخلاقي ورغبتنا أثناء الفرجة قد يسيران في اتجاهين مختلفين.
يستثمر مورفي وبرينان زمناً أطول لبناء هذه الألفة، لكن مساءلة الجمهور تبقى ناقصة إذا أعفت الصنّاع. يقول برينان إن السلسلة "توجّه الكاميرا إلينا"، بينما تختار ما نراه وتستفيد من افتتاننا بالجريمة فيما تدينه. تتحول المأساة إلى محتوى جذاب، والقاتل إلى شخصية لامعة، فيما تُختصر الضحية أحياناً في موتها، فتتعلق القيمة الفنية أيضاً بتوزيع الاهتمام ومنح الشخصيات تاريخاً وحياة.
هل أصبحا هيتشكوك عصرنا؟ تجمعهما به القدرة على توجيه المشاعر، مع تفاوت بين إحكام المشهد وإغراء الاستعراض، ويبقى فهم القاتل عاجزاً عن إلغاء فظاعة جريمته.
أما سؤال "مَن الوحش: القاتل أم الأهل؟"، فتضيئه مسؤوليات تتجاور: من آذى ومن أخفق في الحماية، ومن قرر إيذاء الآخرين؟ عندئذ يصبح التعاطف قدرة على رؤية الإنسان من دون منحه براءة.

