أثار مشروع قانون الوساطة القضائية في سوريا نقاشاً تفاوت بين الترحيب بفكرة تخفيف الضغط عن المحاكم، والتحذير من مواد قد تجعل الوساطة عائقاً يسبق الوصول إلى القاضي.
وظهر في التعليقات التي رافقت المؤتمر الوطني الأول وإطلاق الاستبيان اتفاق على أهمية الصلح، يقابله خلاف حول إلزام الخصوم به وصفة الوسيط وكلفة الإجراء فضلاً عن أثر التسوية في القضايا الجزائية.
وقدمت وزارة العدل الاستبيان باعتباره تطبيقاً لـ"مبدأ المشاركة المجتمعية في إعداد التشريعات"، ودعت القضاة والمحامين والأكاديميين والباحثين والجهات الاقتصادية ومنظمات المجتمع المدني إلى مراجعة المشروع قبل اعتماده، لكن قيمة هذه المشاركة ستحددها التعديلات التي ستظهر في النسخة النهائية، وليس عدد الإجابات التي ستجمعها الوزارة.
تأييد مشروط
وضع المستشار القانوني حسين عساف الوساطة ضمن تاريخ اجتماعي طويل من مجالس الصلح التي شارك فيها رجال الدين والتجار وأصحاب المهن وشيوخ العشائر والمحامون، ورأى أن تقنين هذا العُرف ومنح التسويات قوة تنفيذية يخدمان العدالة، لكنه ربط نجاح المشروع بتشريع صارم يحدد معايير اختيار الوسطاء ويضمن حيادهم وكفاءتهم.
وذهبت آراء قانونية أخرى إلى أن الوساطة امتداد لوظيفة القضاء، وقد تساعد سوريا في التعامل مع النزاعات المرتبطة بالملكيات والعقود والاستثمار وإعادة الإعمار، ويستند هذا التأييد إلى تجارب سبقت إليها دول مثل الأردن والسعودية والإمارات وسنغافورة، لكن نجاح تلك التجارب ارتبط بالتدريب والرقابة ووجود قضاء قادر على حماية الطرف الأضعف.
وعرّفت المسودة، الوسيط، بأنه شخص يساعد الخصوم على الوصول إلى تسوية من دون امتلاك سلطة فرضها، وعندما تصدق المحكمة الاتفاق يصبح سنداً تنفيذياً، وإذا فشلت المفاوضات يعود النزاع إلى القضاء، وتمنح هذه الطبيعة الرضائية الوساطة معناها، ومنها يبدأ الاعتراض على المادة 31.
بوابة إلزامية قبل المحكمة
تجيز المادة 31 لمجلس القضاء الأعلى تحديد أنواع من القضايا يتوجب على أصحابها المرور بالوساطة قبل التقاضي ولا تقبل الدعوى قبل اتباع الإجراء، ويتعلق الإلزام هنا بمحاولة الوساطة وليس بقبول نتيجتها، لكنه يستطيع إضافة مرحلة جديدة أمام المتقاضي.
وطالب المحامي والناشط الحقوقي ميشال شماس بحذف المادة والإبقاء على الوساطة خياراً رضائياً، محذراً من استخدامها للمماطلة. وتزداد أهمية الاعتراض لأن النص لا يحدد القضايا التي ستخضع للإلزام، ولا يضع مهلة للوساطة السابقة للتقاضي، ولا يعالج بوضوح أثرها في مدد التقادم. وفي المقابل، تسمح المادتان 7 و8 بتأجيل الدعوى مدة قد تصل إلى ستة أشهر عند بدء الوساطة أثناء التقاضي.
وتنص المادة 17 من الإعلان الدستوري السوري على أن حق التقاضي والدفاع وسلوك طرق الطعن مصون بالقانون. ولا تعني هذه الضمانة أن الوساطة الإلزامية مخالفة للإعلان الدستوري تلقائياً، لكن مشروعيتها تتوقف على مدتها وكلفتها والاستثناءات الواردة عليها، وعلى بقاء الوصول إلى القاضي متاحاً في الحالات المستعجلة أو التي تنطوي على عنف واختلال واضح بين الطرفين.
من يراقب الوسيط؟
تشترط المسودة شهادة جامعية وخبرة وحسن سيرة، وتسمح باختيار الوسطاء من القضاة والمحامين المتقاعدين والمحامين الأساتذة وغيرهم من ذوي الاختصاص. ولا تفرض صراحة تدريباً متخصصاً أو امتحان اعتماد أو تطويراً مهنياً مستمراً، رغم أن إدارة التفاوض واكتشاف الإكراه وحماية السرية مهارات لا توفرها الشهادة الجامعية وحدها.
كما تسمح المادة 17 للأطراف بتجاوز بعض محظورات تعارض المصالح، ومنها قرابة الوسيط لأحد الخصوم أو انتقاله إلى دور آخر مرتبط بالنزاع. وتقتصر المساءلة التأديبية في المادة 34 على الوسطاء المقيدين في جدول الوزارة، فيما يستطيع الأطراف اختيار وسيط خاص من خارجه من دون توضيح النظام التأديبي الذي يخضع له.
ويجمع المشروع بين دورين لوزارة العدل إذ يسمح لها بإنشاء مراكز تابعة لها، ويمنحها سلطة إشهار المراكز الخاصة وفروع المراكز الأجنبية والإشراف عليها. كما تترك المادة 28 للمركز تقدير النفقات والأتعاب بالاتفاق مع الأطراف، من دون تعرفة أو سقوف أو مساعدة قانونية منصوص عليها. وهنا يصبح السؤال متعلقاً باستقلال جهة الرقابة ومنع تضارب المصالح وضمان ألا تتحول الوساطة إلى خدمة ترتبط بالقدرة على الدفع.
وتعفي المادة 30 الأطراف من توكيل محامٍ في الوساطة وتصديق التسوية وتنفيذها ما يساعد في تقليل الكلفة، لكنه يزيد احتمال توقيع طرف قليل الخبرة على اتفاق لا يفهم نتائجه. ويمكن معالجة ذلك بضمان حق الاستشارة المستقلة وإلزام الوسيط بشرح الآثار القانونية قبل التوقيع، واشتراط حضور المحامي في التسويات التي تمس الملكية أو تتضمن تنازلات كبيرة.
أثر يتجاوز الحق الشخصي
وتعتبر المادة 26 الأكثر حساسية لأنها تمنح التسوية المتعلقة بالحقوق الشخصية الناشئة عن الجريمة أثراً في دعوى الحق العام، وقد تؤدي إلى تطبيق عذر قانوني مخفف حتى بعد صدور حكم قطعي، ويمتد الأثر في حالات معينة إلى بقية المساهمين في الجريمة.
وأكد وزير العدل أن الجرائم الكبرى ستبقى أمام القضاء، لكن بقاء الدعوى لا يحسم أثر التسوية في العقوبة، والمسودة لا تستثني صراحة القتل أو العنف الجنسي والأسري أو الاتجار بالبشر أو الفساد والجرائم الجسيمة. وقد يسمح النص لضغط العائلة أو المجتمع أو التفاوت الاقتصادي بالتأثير في عقوبة جريمة تمس المجتمع كله.
وتشمل المسودة منازعات الأحوال الشخصية من دون آلية لفحص وجود العنف أو التهديد أو التبعية الاقتصادية، فالجلوس إلى طاولة واحدة لا يعني تكافؤ القدرة على الرفض، ما قد يحول السرية والمرونة في هذه الحالات إلى غطاء للضغط على الضحية.
كيف تُقاس المشاركة؟
وتكشف قراءة المشروع أيضاً عن خطأ مباشر في المادة الثالثة، المعنونة "المرجع القضائي المختص"، إذ تكرر نص المادة الثانية حرفياً. وقد نبه المحاميعارف الشعال إلى المشكلة، التي تتجاوز خطأ النسخ لأن المادة 24 تحيل إلى المادة الثالثة لتحديد المحكمة المختصة بتصديق التسوية.
كما لم تنشر الوزارة مع المشروع بيانات عن عدد الدعاوى المتراكمة، أو متوسط مدة التقاضي، أو القضايا المرشحة للوساطة. وتؤكد تقارير عن واقع القضاء وجود تراكم وبطء وتضرر في المحاكم والسجلات، لكن غياب خط أساس معلن سيجعل قياس أثر القانون صعباً.

