حطّ صانع المحتوى والكوميدي المصري-الأميركي كريم رحمة في دمشق، في أحدث حلقات برنامجه "Keep the Meter Running"، مصطحباً المشاهدين في رحلة امتدت يومين مع سائق الأجرة والمرشد السياحي بشار، وجمعت بين مطاعم العاصمة وأسواقها ومعالمها الدينية، وبين الذاكرة الشخصية للحرب والدمار الذي ما زال يطبع أحياءً كاملة من المدينة.
وحملتالحلقة المنشورة عبر يوتيوب عنوان "كيف تبدو الحياة في دمشق اليوم"، وهي أول حلقة من البرنامج تصور خارج مدينة نيويورك، حيث انطلقت السلسلة أساساً.
ذكريات مؤلمة
تبدأ الرحلة بالعبارة التي افتتح بها رحمة حلقات البرنامج منذ إطلاقه: "خذني إلى مكانك المفضل، وأبقِ العدّاد يعمل". لكن سيارة بشار لا تحتوي على عدّاد يعمل، وهو ما تحول لاحقاً إلى واحدة من النكات المتكررة بينهما.
كانت المحطة الأولى عربة صغيرة لبيع القهوة على طريق المطار، اعتاد بشار زيارتها يومياً. هناك، كشف أن المكان مرتبط بذكريات مؤلمة يفضّل الاحتفاظ بتفاصيلها لنفسه، موضحاً أنه يعود إليه لأنه لا يريد أن ينسى.
يعرّف بشار نفسه بوصفه دمشقياً من مواليد العام 1975، وأصغر تسعة إخوة وأخوات. عاش نحو عشرين عاماً في دبي وعمل سائقاً قبل أن يعود إلى سوريا مع زوجته وأطفاله الثلاثة عام 2019، بعدما اتصلت به والدته خلال المعارك وطلبت منه العودة. وفي العام نفسه، توفيت والدته.
مدينة بقوة مغناطيسية
يتحدث بشار خلال الرحلة عن دمشق بوصفها مدينة ذات قوة مغناطيسية، ويقول إنه عاش وزار مدناً عدة، بينها دبي والمنامة وعمّان وبيروت، لكنه لم يجد مدينة تشبهها. ويختصر علاقته بها بعبارة تتكرر بوصفها أحد خيوط الحلقة الأساسية "دمشق لا تموت".
من طريق المطار، ينتقل رحمة وبشار إلى أزقة دمشق القديمة، حيث يتوقفان مراراً لتذوق المناقيش والحلويات والعصائر، قبل الوصول إلى مطعم شعبي لا يحمل اسماً لتناول الفول والفتة والفلافل. وتمنح المشاحنات المرحة حول تفوق المطبخ السوري أو المصري الحلقة مساحة خفيفة، في موازاة الحكايات الأثقل المرتبطة بالحرب.
تقودهما الجولة لاحقاً إلى الجامع الأموي، حيث يستعيد بشار، وهو مسيحي كاثوليكي، علاقته القديمة بالمكان، ويقول إن عائلته كانت تعثر عليه فيه عندما كان يختفي عن المنزل في سنوات المراهقة. ويقدم وجوده داخل الجامع مع أصدقائه المسلمين بوصفه صورة عن العيش المشترك الذي عرفته المدينة.
الحياة ستعود
في اليوم الثاني، يزور الاثنان كنيسة حنانيا في دمشق القديمة. هناك تتخذ المحادثة منحى أكثر قسوة، عندما يتحدث بشار عن الشكوك التي تركتها الحرب في علاقته بالدين. ويستعيد مشهد طفل في عامه الأول سقط ضحية للقصف، متسائلاً كيف يمكن تفسير سقوط قنبلة على طفل، وأين يكون الله أمام مشهد كهذا.
تبلغ الحلقة ذروتها عند انتقالهما إلى حي جوبر، حيث وُلد بشار وعاش طفولته. وبين أبنية مهدمة وشوارع خالية، يصف الحي بأنه مدينة أشباح، ويقارن ما حلّ به ببرلين عام 1945. كما يمرّ بالموقع المدمر لكنيس يهودي تاريخي، قبل أن يصل إلى أنقاض منزله القديم.
أمام ركام المنزل، يعجز بشار للحظات عن الكلام، فيما يعتذر فريق التصوير عن اقتحام هذه المساحة الشخصية. لكنه يلفت لاحقاً إلى نبتة خضراء خرجت من بين الأنقاض، ويقول: "هناك شيء جميل واحد... الحياة ستجد طريقها كي تعود".
لا تبقى الرحلة أسيرة الدمار، حيث يزور رحمة وبشار نادياً لكرة السلة، ويتجولان في سوق الحميدية، ويتوقفان في محل "بكداش" للبوظة الدمشقية، ويصعدان إلى جبل قاسيون. كما تجمعهما أحاديث عفوية عن أفلام هوليوود وجوليا روبرتس وفرقة "آبا"، ويتحول لقاؤهما تدريجياً إلى صداقة تتجاوز الصيغة التقليدية بين مقدم برنامج وضيف.
جمال دمشق
قرب نهاية اليومين، يسأل بشار ضيفه عمّا شاهده في دمشق، فيجيبه رحمة: "لم أرَ سوى الجمال"، ليرد بشار: "لقد رأيت الشعب السوري". وتضمّنت الحلقة رسوماً للفنانة السورية-الأميركية راما دويجي، ظهرت بين المشاهد ومنحت السرد طبقة بصرية إضافية. وكشف المنتج المحلي للحلقة إياد نمر أن اختيار بشار جاء بعد التواصل مع أكثر من 200 سائق وإجراء ما بين 50 و60 مقابلة، موضحاً أن فريق العمل أراد تقديم دمشق كمدينة تعيش حياتها اليومية، من دون تجاهل الحرب والآثار التي تركتها.
وقال نمر في حديث لوسائل إعلاميةإن أحد أكثر التصورات انتشاراً هو اختزال دمشق بالحرب، مضيفاً أن المدينة ما زالت مكاناً يضحك فيه الناس ويأكلون ويقعون في الحب ويضعون خططاً للمستقبل. ووفق نمر، كان الهدف إظهار هذه الحياة الموجودة خارج العناوين الإخبارية، مع إبقاء الخسارات التي سببتها الحرب حاضرة في السرد.
من سيارات نيويورك إلى دمشق
انطلق برنامج "أبق العداد يعمل" العام 2022 كسلسلة من المقاطع القصيرة على "تيك توك"، وتقوم فكرته على دخول كريم رحمة سيارة أجرة وطلبه من السائق اختيار مكانه المفضل، بينما يستمر العدّاد بالعمل ويتكفل رحمة بدفع الأجرة والإكرامية في نهاية الرحلة.
جاءت فكرة البرنامج بعد محادثة طويلة خاضها رحمة مع سائق سيارة أجرة في نيويورك خلال فترة شخصية صعبة. ذكّره السائق بوالده الراحل، الذي هاجر من مصر إلى الولايات المتحدة وعمل سائق أجرة مدة خمس سنوات. وسجل رحمة عبارة "Keep the Meter Running" في هاتفه، قبل أن يطور الفكرة مع المنتج آدم فايز والمخرج والمونتير آري كاغان، وفقمقابلة نشرتها مجلة "Vanity Fair".
ركزت الحلقات الأولى على سائقي سيارات الأجرة المهاجرين في نيويورك، وعلى المطاعم والأحياء والأماكن المرتبطة بذاكرتهم. وحظي البرنامج بمقارنات مع أعمال مقدم برامج السفر الراحل أنتوني بوردان، بسبب اعتماده على الطعام مدخلاً للحديث عن الهوية والهجرة والعائلة والمدينة.
وفي أيار/مايو 2026، أعيد إطلاق البرنامج بصيغة حلقات طويلة مخصصة لـ"يوتيوب"، كما استضافمهرجان تريبيكا عرضاً خاصاً للبرنامج، تناول انتقاله من مقاطع الفيديو العمودية القصيرة إلى السرد الوثائقي الطويل.
من هو كريم رحمة؟
وُلد كريم رحمة في القاهرة، وانتقل في السابعة من عمره مع أسرته إلى ولاية مينيسوتا الأميركية. درس الصحافة في جامعة مينيسوتا، ثم انتقل إلى نيويورك وعمل في مؤسستي "Vice" و"The New York Times"، قبل أن يؤسس شركته الخاصة بإنتاج المحتوى "Nameless Network".
يقدم نفسه ككاتب ومنتج وكوميدي وموسيقي، ويشتهر أيضاً ببرنامج «Subway Takes»، الذي بدأ عام 2023 ويستضيف فيه شخصيات عامة ومشاهير داخل مترو نيويورك لمناقشة آراء قصيرة ومثيرة للجدل.
اختارته مجلة"Time" ضمن قائمة أكثر صنّاع المحتوى تأثيراً لعام 2026، كما حصل برنامجه "Subway Takes" على ترشيح لجائزة "إيمي". وسبق أن كرّمتهمؤسسة كارنيغي ضمن مبادرة "مهاجرون عظماء" تقديراً لمسيرته في الإعلام والفنون.

